إنتظار
طريق واحد ذلك الذي يفضي إلى أحراش السياح .يمر بالأحياء المجاورة إلى أن ينتهي عند مزرعة الفستق. عند السفح المتاخم للارخبيل الذي تنام إلى جواره بيوتات تناثرت على امتداد الصبر .لكن والدي كان يختصر المسافة بطولها هذا لان الطريق لا يتفرع ويظل ملاصقا للطريق المعبد. حتى يصل إلى بلدة الخضراء. بإمكانه هناك أن ينزل راجلا ويتخذ درب الدخيلة .غير أنه كان يتحاشى المسافة التى قد تستهلك نصف يومه. حيث لا يمكنه أن يتجاهل سوق الأربعاء الذي يمتد على ضفتي الطريق العام .إلى ما بعد محطة بنزين دراقو - كان باعة الخضار يشرعون في عروضهم الزاهية على اسياخ من الخشب. أغلب الظن أنهم يتشاركون في بناءها على هيئة طاولات بطول خمسة أمتار وعرض مترين ونصف. فيما يتجاورون مع باعة الفحم والافران والعلف. وعلى الحاشية الأخرى تتراصف سيارات القلع بأغطيتها المشمعة يعرضون ملابس الشتاء القادم. .
الحاصل ..
من وراءهم على ضفة الطريق الفرعي يوجد باعة البخور والعنبر واللوبان والمباخر الخزفية المزينة بوجوه النساء السودانيات ..فيما يجلسن عجائز طاعنات يلوكن السواك .كلما فتحت إحداهن فمها ظهرت أسنانها المحاطة بالهالة الحمراء حتى السواد .كان والدي يتحاشى باعة الباخور والجاوي يقول أن رائحة النساء تبعث على الغثيان ..سمعته مرة يتحدث عن الأسواق في المدينة لجارنا مصباح - في المدينة لا توجد شيخوخة مبكرة ياحاج .كل ما هنالك نساء طاعنات لو هن يعشن معنا لأقبل الشباب على الزواج منهن - كان ينتقد رائحة العرق والبخور وروث الدواب. لذا فهو يتحاشى المرور من ذلك الطريق. عوضا عن ذلك فإن المسافة نفسها تحتاج إلى مشقة كبيرة . فالطريق الذي يأتي بمحاذاة النهر المنحسر ويبدأ من مملكة دوغة ويشق المروج المتاخمة لعمائر مزرعة الباروني. لمسافات متباعدة إذ أن النهر قد ينحرف في نتؤ مباغث. ويسمح لسكان الدخيلة والصالحين بالمرور دونما متاعب. وقد اعتاد الناس منذ زمن على شق كامبس وجلب الماء. أيام القحط الذي مرت به البلدات المتاخمة للنهر ..
الحاصل .
تقول أمي - لم يمضي على زواجي من أبيك الا بضع شهور. حتى وجدت نفسي احمل قربة بحجم كبير على ظهر الدابة. وأنا أسير مع الأخريات متشوقة لمنظر القصب الذي استطال من الجوف .حتى كاد أن يصل الضفة بشعاشيط خضراء هي قلب عين الماء الناضحة على الدوام .لكننا كنا نسري مع الفجر قبل أن يسبقنا الرمل ويمتص الماء تحت وطأة الجفاف .
بعد درب الصالحين وعلى الضفة المتاخمة لمزرعة (جوني). كانت الناس تتجمع هناك .بعضهم من كان قاصدا سوق الأربعاء. تترنح دوابهم بحمولات من الجلد والتوالب والمباخر الفخارية.تلك التى يبتاعونها من سوق الأحد على تخوم المدينة ليعيدون عرضها ألان في الخضرا للوافدين من ممالك تارغلات ومسلاتة. وهناك من كانت دوابه تترنح بالاقمشة واحذية النساء . والنطوع المبهجة وبسط الكليم الذي يأتي به باعة اخرون من بلاد (تامورت ). يعرضونه على باعة الجملة في مدينة ترهونة. ليعيدون الان عرضها في السوق العتيق. لتمضي بعد ذلك قافلة واحده ترتفع وتهبط متماهية مع ظروف الأرض الريفية ولا تستريح حتى تصل إلى الخضراء -
الحاصل..
كان والدي يتحاشى ذلك كله وهو قادما من طرابلس.. ما ان يجتاز الخرمة حتى يصل إلى مثلث سوق الجمعه ..يهبط من السيارة ويشق الطريق الذي يمر بالاحراش ومزارع الكرم والزيتون .التي تمتد بمسافة نصف ميل حتى تصل السياج الأخضر .الذي يفصل ما بين مزارع الزيتون وارخبيل الفرعونية. وكنت أنا وامي نراقبه من مكاننا على ذات التل. وما أن نرى طيفه من بعيد. حتى نتتبع دربه وهو يمضي حثيثا نحونا. وحين رأيته الآن يقترب من الفرعونية هتفت لأمي - أنه هناك ها هو يلف جرده تحت ذراعه وحمولته على ظهره أمل أن يكون قد جلب لي بدلة العيد -
المهم ..
منذ الصباح البستني أمي طقم جديد. كان ذخري في العام الماضي. ارتديته ثلاثة مرات فقط. مرة في العيد الكبير ومرة حين ذهبت بي أمي لالتقي مع بيلسان وهذه المره لاستقبل أبي بعد طول انتظار - أما هي دخلت لغرفتها لترتدي ما يليق بهذه المناسبة سأظل اراقبه ما ان يصل السفح اركظ نحوه وأتشبث بعنقه مثل كل مرة -



